الشيخ محمد الصادقي الطهراني
393
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فإن الذي يسأل أجرا قد يدعوا حسب مصلحية الأجر وقدره ، أم يهدف الحصول على المال بدعوته الرسالية ، والذي لا يسأل أجرا ولكنه ليس على بينة قد لا يسأل جذبا للنفوس الساذجة ، بل وهو يدفع لمن يتبعه أجرا كما هو رائج بين دعاة الباطل . ولكن الذي هو على بينة من ربّه ولا يسأل أجرا ، ليس ليكلف العقول ما لا حجة له ، ولا يكلف أصحاب العقول مالا وأجرا ، فإنما يدعو دعوة خالصة مريحة مربحة عن أعباء الجاهليات والهمجيات . لذلك نرى أن الدعاة الرساليين ككل يلحّقون بينات رسالاتهم بعدم سؤال الأجر ، مما يكمل حججهم على المكلفين دونما إبقاء لأية عاذرة عقلية ولا مالية . ولو أن الدعوة الرسالية كانت مزوّدة بسؤال الأجر لحرم عن قبولها والإقبال إليها الفقراء ، ولكانت حملا على الأغنياء ولا سيما على البخلاء ، أن يؤتوا أجرا على ما لا يشتهون ، ولكانت مظنة للطمع في الأموال . ثم « وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا » رعاية للذين لم يؤمنوا ويشترطون في إمكانية إيمانهم طرد الذين آمنوا ، ربطا للإيمان بشريطة اللّاإيمان ، فإن طرد المؤمنين يناحر الإيمان ، ف « إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » بأنفسهم هنا ويوم اللقاء ، ولهم مالهم لإيمان وعليهم ما عليهم لو كان خلاف الإيمان : « قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ . قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ . وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ . إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ » ( 26 : 111 - 115 ) - ( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ » ( 6 : 57 ) . وهذه شيمة شنيعة للمستكبرين الرعناء اللعناء أنهم يشاقون الفقراء والضعفاء حتى في الإيمان المدعى ، فلا يجمعهم معهم حتى الإيمان باللّه - وهو الجانب الروحي الفضيل من الإنسان - لأنهم يرون المقياس هو الجانب المادي الرذيل ! .